دوران حول شخصية الوائلي
قصيد ة رثاء في الشيخ الدكتور/أحمد الوائلي «رحمه الله»

ياسر الغريب

 

ياما أَحَبَّتْكَ الحياةُ تَمّتُعا والموتُ أيضا قد أحبَّكَ مُولَعَا
وحصلتَ أنت على نصيبِ الغيثِ منْ عينِ الوجودِ وما أجلَّ الأدمعا
ما سرُّ حبك يا ترى؟ هل نغمةٌ من سربِ صوتك تستشيرُ المسمعا
أم أنتَ أنضجتَ الخطابة فاستوتْ زاداً لأدمغةٍ وأفئدةٍ مَعَا
أم لا لشيء غير أنك شاعرٌ غنّى على وترِ الحياةِ فأبدعا
إنا ليؤسفنا نزولُكَ فجأةً

من منبرٍ تسمو عليهِ تَرَبُّعَا

لكنّ من حق العظيم كما سعى بجهادهِ أن يستريحَ ويَهْجَعَا
والآن روحُك تنتشي في برزخٍ وتحطُّ في وادي السلام تموضعا
واسعدْ فإن الله أثَّث جنَّةً هي فوقَ ما شَطَحَ الخيالُ توقعا
 

أعطاك «أهلُ البيت» خارطةَ الهدى

فسلكتَ دربكَ طامحاً متشرعا

وحفرتَ تبحثُ عن أباريق السنا

وجريتَ خلفَ حقيقة متتبعا

ولقيتَ من قهرِ الظروف فظائعا

لكن أبى الإيمانُ أن يتراجعا

وكما تعبتَ فأنت أتعبت السرى

والصعبُ صار إلى جنابك طيِّعا

وإذا بكنزك عطرُ روحانيةٍ

من ربِّكَ الأعلى انتشى متضوعا

ورأيتَ أنَّ المجدَ لا يأتي إلى

من ظلَّ في عُقْرِ (الأنا) متقوقعا
 
يا أيها الغرِّيدُ في جوِّ النهى بوركتَ منطيقاً بليغاً مُصقعا
ولكلِّ من أبدى علامة حيرةٍ أهديتَهُ طبعاً جواباً مقنعا
ولكمْ عشقتَ الماءَ وهو موزعٌ في الكونِ إلا ذلك (المستنقعا)
أنت الصريحُ وصنوُ ذاتِك جرأةٌ ووردتَ في مغنى الحوار منابعا
 
كنتَ انفتاحياً تعيشُ على الربى لتكونَ أقربَ للسماء تطلعا
كوّنتَ من تلك النجوم حديقةً وأبيتَ إلا «وسطها» أن تزرعا
وكتبتَ في البدر المنير قصائداً وأزحتَ عن وجهِ السماءِ البرقعا
ورأيت أحلى ماستشفَ من الهدى وإذا بذهنك باليقين ترصعا
 
ماذا أسمي نفسك المثلى وكمْ سَكَبَتْ بآنيةِ الولاء تبرعا
عيناكَ علَّمتا المحبين الندى والدمعُ ماءُ الحبِّ أحيا البلقعا
وجبينكَ التاريخُ قصاص الأسى يحكي بمأساة الحسين المصرعا
سلسلتَ طبعك وهو نهر مآثرٍ وكرهتَ في دنياك أن تتطبعا
وبرغمِ شهرتك الولودة في الدُّنا ما كنتَ إلا شاهقاً متواضعا
 
يا شيخُ عدتَ إلى العراق صبابةً وَرَجَعْتَ في كفِّ الطبيعة إصبعا
والأرض من فرط الحنينِ إليك قد ضمَّتكَ حيثُ أعدتِ المستودعا
والنخلُ أهداكَ الجذوع تقرباً فتمركزتْ عن جانبيك تَخَشُّعا
والرافدانِ تسابقا وتنافسا في سقي قبرك فاستحمَّ فأمرعا
وافخر فحولَكَ سادةٌ ما إن أتى أحدٌ لهم إلا وصارَ مشعشعا
 
يا وائلي وفي النداء مشاعرٌ تُشوى على نار الوداعِ توجُّعا
والشعرُ هذا الكائن المسكين لا يرثيك إلا بعد أن يتفرقعا
وبقدرِ آلام انفجارٍ صاخبٍ تأتيك عاطفةُ القصيد تفجعا
حاولتُ أن أحويك في مرثيةٍ لكنّ طيفَكَ في الجهاتِ توزعا
إذ أنتَ أكبرُ من مساحةِ صفحتي والبحرُ هل يحويه كأسٌ أو وعا
وإن ابتنى القَدَرُ المشيِّدُ حائطاً مابيننا ليكونَ سداً أمنعا
سنراك من ثقبٍ صغيرٍ وَسْطَهُ شخصيةً عظمى وفذاً أروعا
والخلدُ يكتبُ من سنينكَ قصةً لقوافل الأجيال لن تتقشعا
يا سيدي والشكرُ عصفور الوفا أطلقتُه حراً لروحك ساجعا
حسبي بأنك في الحياة معلمي ودمي على كلتا يديك تشيعا


 

21/5/1424هـ