سَأُوَسِّعُ المرثاةَ أكثر ..
بعــد (ربع قرن) من المنافي ، عاد الخطيب الدكتور أحمد
الوائلي (رحمه الله) إلى العراق من أجل موتةٍ تليقُ بجلاله !
الشاعر جاسم الصحيح
1424/05/23 هــ
| لا تطلبوا نَعْياً بِحَجْمِ مَمَاتِهِ |
كَبُرَ المماتُ فضاقَ صوتُ نُعاتِهِ |
| قد كنتُ أسألُ قبلَ عاصفةِ الردى .. |
والحزنُ يَكْتُبُني بِكُلِّ لُغَاتِهِ : |
|
هَلْ مِنْ ضريحٍ وُسْعَهُ ، وَهُوَ الذي |
وَسِعَ الزمانَ وفاضَ عن سَنَوَاتِهِ ؟! |
|
قد كنتُ أسألُ .. وارتبكتُ على صدى الـ |
حَفَّارِ مُنكسِراً على مِسْحَاتِهِ !! |
|
فمشيتُ مقلوبَ الكيانِ كأنَّني |
راعٍ يهشُّ على عَصَاهُ بِشَاتِهِ |
|
وغداةَ فاضَ مُشَيِّعُوهُ ، وأغرقوا |
بالحزنِ من وادي (الغَرِيِّ) جِهَاتِهِ |
|
وطفَا هناكَ النعشُ فوقَ أصابعٍ |
لم تدرِ كيف تحوكُ حَبْلَ نَجَاتِهِ .. |
|
ناديتُ .. والموتُ المريرُ يَخُطُّني |
ويعودُ يُسْلِمُني إلى مِمْحَاتِهِ : |
|
يا حاملِيهِ على القلوبِ .. تَرَفَّقُوا |
بِخزانةِ الآلامِ ملءَ رُفاتِهِ |
|
كَنْـزٌ (عراقيٌّ) تَكَدَّسَ بالأسى |
والقهرِ منذُ أضاءَ فَجْرُ نَوَاتِهِ |
|
يا طالمَا لَوَتِ الجماركُ ظَهْرَهُ |
بِيَدِ الشكوكِ ، ومَشَّطَتْ فقراتِهِ |
|
لا تأخذوهُ إلى الترابِ فَإِنَّهُ |
تَرَكَ الترابَ لِعاَشِقِيْ شَهَوَاتهِ |
|
وخذوهُ للقرآنِ حيثُ تَخَلَّقَتْ |
أمشاجُهُ العَطِرَاتُ من كلماتِهِ |
|
هُوَ سورةُ (الإنسانِ) جَسَّدَها التُقَى |
فَتَجَسَّدَتْ في شكلِهِ وسِمَاتِهِ |
|
حتَّى إذا غَسَلَ الحياةَ بِزَمْزَمِ الـ |
تقوَى وعَطَّرَها بِعِطْرِ صَلاتِهِ |
|
حَنَّ (الكتابُ) لهُ لِيَرْجِعَ (سورةً) |
غَرَّاءَ .. شامخةً على (سُوَرَاتِهِ) |
|
فَخُذوهُ للقرآنِ حيثُ تَزَيَّنَتْ |
للقائِهِ الآياتُ في صفحاتِهِ !! |
|
وأنا سَأعقدُ من حروفيَ مأتماً |
تَتَجَرَّحُ الكلماتُ من أنَّاتِهِ |
|
وأذوبُ في وَهَجِ الكآبةِ مثلمَا |
قلبُ الوَلِيِّ يذوبُ في صَلَوَاتِهِ |
|
ها إنَّ حُزنيَ جُملةٌ عَرَبِيَّةٌ |
تَعْصَى على الإعرابِ بينَ نُحَاتِهِ |
|
أَ أَخَا عزائيَ .. إنْ تَبَقَّى محجرٌ |
في الأرضِ يصلحُ للبكاءِ فَهَاتِهِ |
|
فَتَكَ المُصابُ بِمِحْجَرَيَّ ولم أكُنْ |
أَكملتُ فصلاً من فصولِ شَكَاتِهِ |
|
وجَرَى قطارُ الذكرياتِ مُحَمَّلاً |
بِحقَائبِ الأشواق في عَرَباتِهِ |
|
لَهْفِي على ذاكَ القطارِ فطالَمَا |
حَطَّمْتُ أضلاعي فِدَى عَجَلاتِهِ |
| أَيَّامَ كانَ صدى الرسائلِ بينَنَا |
يسقي دواتِيَ من جحيمِ دَوَاتِهِ |
| قومُوا اسألونيَ عنهُ فَهْوَ حكايةٌ | زَرَعَ الهوى فيها أرَقَّ نباتِهِ |
| دَامٍ بأشواكِ الهمومِ ولم يَزَلْ | يَتَفَتَّقُ الزيتونُ من جَنَباَتِهِ |
| مازلتُ أذكرُ حينمَا نادَمْتُهُ |
في ليلةٍ شَرِبَتْ رحيقَ صفاتِهِ |
|
نَفَضَ الدُجَى وأدارَ نحويَ وَجْهَهُ |
وأضاءَ مِصْبَاحَيْنِ من بَسَمَاتِهِ |
|
فإذَا يداهُ حمامتانِ ، وقَلْبُهُ |
طَلُّ الصباحِ يتيهُ في رَعَشَاتِهِ |
|
وإذَا صداهُ هواءُ فجرٍ ناعمٍ |
أَضْحَى يُوَزِّعُ في المدَى نَسَمَاتِهِ |
|
جِسْرٌ من الأنفاسِ يحملُ بينَنَا |
نظراتِيَ الوَلْهَى إلى نَظَرَاتِهِ |
|
ووجوهُنَا بالحُبِّ تَنْضَحُ كُلَّمَا |
حَدَقَاتِيَ انسَكَبَتْ على حَدَقَاتِه |
|
مِنْ تحتِ جلبابِ الحوارِ حَضَنْتُهُ |
بِمسامعي وغرقتُ في هَمَسَاتِهِ |
|
ومضيتُ أستهدي شَذَاهُ ، وأقتَفي |
قلبي المسافرَ في حديقةِ ذاتِهِ |
|
يا وَرْدُ .. هَبْنِيَ من لغاتِكَ في الهوَى |
لُغَةً لأكتبَ ياسمينَ حياتِهِ |
|
هُوَ ما يضيقُ الموتُ عنهُ ، فإنْ يَمُتْ |
جَسَداً فجُثَّتُهُ فُتَاتُ فُتاتِهِ |
|
عَبَرَ السنينَ ِلأَلْفِ جيلٍ قادمٍ |
وامتدَّ ينفخُ باليقينِ رئاتِهِ |
|
مِنْ منبرٍ مازالَ يشمخُ بالهُدَى |
حتَّى استحالَ النجمُ مِنْ دَرَجَاتِهِ !! |
|
مَنْ ذَا سيوقفُ ـ مِنْ صداهُ ـ مسيرةً |
تمتدُّ بالأجيالِ عَبْرَ لَهاتِهِ ؟! |
|
شَكَّتْ بِقُدْرَتِها الرخامةُ حينَمَا |
هَمَّتْ لِتُطْفِئَ عُنفوانَ نَواتِهِ... |
|
فإذَا خَلَعْتُ عليهِ رِمْشاً باكياً |
وتَرَكْتُ رمشاً للهوى ومَهاتِهِ |
|
ما ذَاكَ إلاَّ حينَ مَرَّ بِخاطري |
يختالُ في سِرْبَينِ من لَفَتَاتِهِ |
|
فَطَفِقْتُ أرثيهِ وأُفسِدُ خلوةً |
جَمَعَتْهُ في الفردوسِ بينَ لِدَاتِهِ : |
|
(سبعونَ) عاماً .. كلُّ عامٍ طعنةٌ |
رَسَمَتْ خريطةَ لوعةٍ في ذاتِهِ |
|
فَغَرِقْتُ في الوجَعِ المُدَمَّى حينمَا |
طَفَحَتْ جراحَتُهُ على مرثاتِهِ |
|
سَأُوَسِّعُ المرثاةَ أكثرَ .. رُبَّمَا |
تستوعبُ (السبعينَ) منْ طَعَنَاتِهِ ! |
|
صَرَخَ (العراقُ) وقدْ رآهُ مُزَمَّلاً |
بِغَمَامةٍ سوداءَ من غُرُباتِهِ : |
|
مَنْ ذَا الغريبُ .. عليهِ هيئةُ نخلةٍ |
عطشَى وما شَرِبَتْ سِوى عَبَرَاتِهِ ؟! |
|
أَهُوَ ابنُ ماءِ (الرافدينِ) مُقَطَّراً |
من رَحْمِ (دجلتهِ) وصُلْبِ (فُراتِهِ) ؟! |
|
هُو يا (عراقُ) هُوَ ابنُ مائهمَا الذي |
رَوَّى صِبَاهُ وشَفَّ عَنْ زَهَرَاتِهِ |
|
فاغفرْ إذَا وافاكَ والتبَسَتْ على |
عينيكَ ما أَلْفَيْتَ من قَسَمَاتِهِ |
|
أَكَلَتْ ملامحَهُ الدروبُ فلمْ يَعُدْ |
ذاكَ الذي رَسَمَتْ يداكَ صِفاتِهِ ! |
|
ما انفكَّ يَسْحَبُ (رُبْعَ قَرْنٍ) خَلْفَهُ |
عَبْرَ المنافي لامتحانِ ثباتِهِ |
|
حَمَلَتْهُ أشرعةُ المصائرِ وانتَحَتْ |
قَدَرَ الشتاتِ فكانَ كُفؤَ شَتاتِهِ |
|
سارٍ علَى وَهَجِ العذابِ كَأنّهُ |
ما اختارَ بُوصَلَةً سِوى مأساتِهِ |
|
(أَيُّوبُ) .. شيخُ الصابرينِ .. أعارَهُ |
صبراً يشدُّ على يَدَيْ مِرْساتِهِ |
|
حتَّى إذا نَفَضَ الوجودُ وخَضَّهُ |
بِيَدِ الحقيقةِ فاضِحاً شُبُهَاتِهِ |
|
كَشَفَتْ لهُ الأيامُ عَنْ أسرارِها |
لم يبقَ منها غير سِرِّ وَفَاتِهِ |