مرثية شيخ الخطباء
الشيخ منصور الجشي
القيت في الاحتفال الذي اقيم في السيدة زينب (ع) بمناسبة مرور اربعين يوما على وفاة
الشيخ الوائلي
| صمت البيان وما الرثاء بيان *** وفم الخطابة ملؤه أشجان |
| من للخطابة بعد فقد زعيمها *** وشموخ مجد قاده الربان |
| أمجادنا تحت التراب تناثرت *** أيعاد مجد غاله الحدثان |
| كم من خطيب مصقع لما مضى *** نبكي عليه ودمعنا عقيان |
| أيقظت أفئدة القلوب فألهبت *** لما رحلت ودربها حيران |
| نفضت غبار رمادها لما قضت *** نفس على ومض الجراح كيان |
| حملت على رغم التغرب والأسى *** غصصاً يسيخ لهولها ثهلان |
| عشقتك لما أن رأت فيك الهدى *** متمثلاً والحجة البرهان |
| وقرعت آراء الخصوم مسدداً *** فبيانكم لا يزدريه بيان |
| ما ملت في شرك السياسة جانباً *** أو جاذبتك لمنصب أوطان |
| بل أنت من فوق المنابر شعلة *** ومن الحسين العاشق الولهان |
| قرناؤكم نضت دروب زعامة *** ويحوم حول رؤوسها الفنان |
| ملأت لأجل حماية في أرضكم *** جيشاً وتهتف باسمها أعيان |
| نشأت على حب الزعامة كي ترى *** وسط المحافل فوقها التيجان |
| لكن ستدرك وهي في لمعانها *** أن السياسة ربحها خسران |
| ويعود كل يطلب المجد الذي *** آثرته وجماله التبيان |
| أو ما دروا أن المنية حينما *** وافتك قد زحفت لكم بغدان |
| وبقيت تحيا المجد وهو زعامة *** بالعلم ترفع ذكره الأزمان |
| فاذا مضيت فسوف تبقى خالداً *** وسط القلوب ورجعك الألحان |
| غذيت بالفكر العقول فأوقظت *** تلك العقول ومابها هذيان |
| عشقتك صوتا للبلاغة رائداً *** ورعتك قلبا هديه فرقان |
| ستون عاماً عشتها متجلبباً *** ذكر الحسين سلاحك الإيمان |
| منذ الشبيبة للفراسة ترتدي *** ومن الغري النشأ والبنيان |
| حتى إذا قذفوا بكم في شاطئ *** والموج هاج كأنه الطوفان |
| قدت السفينة رائداً لشموخها *** ولقد يعيث بحملها السفان |
| أوصلتها بر الأمان فغالها *** وغد دنئ غادر وجبان |
| بذلوا لإعطاب السفينة جهدهم *** وتكالبوا وحليفهم شيطان |
| ملأوا البراري بالقبور وظنهم *** أن القبور مآلها النسيان |
| ورأيت أن صلاحها متعسر *** وبقاؤكم في دجلة خسران |
| أي الديار ستحتفي بقدومكم *** أوهل لكم بعد الغري مكان |
| فرأيت من بعد الفرات ودجلة *** في أرض راوية لك السلوان |
| ولمست أنك في الغري بقربها *** وبقرب زينب يحصل اطمئنان |
| فبمسمع التأريخ لما طوحت *** قدماك فيها أصغت الآذان |
| لولا العقيلة والملاذ بجنبها *** لمضيت لم يعرف لديك كيان |
| ضمتك واحتضنت على رغم الأسى *** من شردوا وعفت لهم بلدان |
| المبعدون إلى المنافي لم يكن *** قبر العقيلة عندهم هجران |
| أدب وعلم واحتواء حضارة *** عصرية يقوى بها البرهان |
| من ربة الخدر البيان يحوطكم *** وعلى المنابر صوتك الرنان |
| هذبت بالفكر المنور أمة *** وطلبت منها القرب وهو رهان |
| وعرضت أقوالاً لآل محمد *** حتى استميل لعرضك الوجدان |
| وأبنت أن الحق فكر ساطع *** لا يعتريه الريب والخذلان |
| كنت اللسان لشيعة ما حرفوا *** كلم الإله لأنه القرآن |
| كلا ولا من يعشقون لوحدة *** يبقى لسر رموزها العنوان |
| حتى إذا وهنت قواك وطالما *** وهنت ولكن عاقها الإمكان |
| فرجعت تحدو للغري مفارقاً *** قبر العقيلة والجوى حران |
| فاستقبلتك جموعها لكنما *** فوق الأكف كأنها الطوفان |
| فانعم بأرض عشت في أفيائها *** وجوار حيدر يرقد الجثمان |